محمد ابو زهره

546

خاتم النبيين ( ص )

فخف بعضهم استجابة لنداء النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وثقل بعضهم ، وإن كان على استعداد ، لأنهم لم يتوقعوا قتالا ، كما كان في السرايا والغزوات السابقة ، فإنهم لم يلتقوا بالمشركين ، ولم يكن قتال . وإن أبا سفيان الذي كان على رأس العير التي حمولتها ألف بعير ، كان يتخوف من أن يلقاه المسلمون فيأخذوه ، كما أخذوا عير ابن الحضرمي وقتلوه ، ولذلك كان يتحسس أخبار النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم وأصحابه ، ويتعرف حركاتهم . فكان يسأل من يلقى من الركبان ، حتى أصاب خبرا ، بأن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم استنفر أصحابه للقاء أبي سفيان ، وعيره ، وتأكد أن المصير الذي سيلقاه هو والعير هو ما لقيه ابن الحضرمي وعيره . وقد دفع به الحرص على عير قريش إلى أمرين : أحدهما - أنه مال عن طريق بدر ، ونجا بعيره ، وجاء محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ومن معه من المهاجرين فوجدوا العير قد أفلتت منهم ، ولم ينالوا منها ، وعلموا أن وراءها القتال . الأمر الثاني : أنه أرسل إلى قريش يستغيث بها لتحمى عيرها التي معه ، وليعمل على أمن الطريق من محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم وعلى أصحابه وليجهز جيشا يقضى على محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم وعلى أصحابه . أرسل ضمضم بن عمرو الغفاري يبين ما تتعرض له العير ، وأن محمدا صلى اللّه تعالى عليه وسلم وصحبه يتعرضون لها ، فذهب ضمضم يصرخ ببطن الوادي ، واقفا على بعيره وقد جدعه وحول رحله ، وشق قميصه ليسترعى الناس ، وينبههم إلى ما يقول ، ثم قال : « يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة « 1 » أموالكم مع أبي سفيان ، قد عرض لها محمد في أصحابه ، لا أرى أن تدركوها ، الغوث ، الغوث » . كانت تلك الكلمات الحارة مع المظهر الذي ظهر به دافعة القوم إلى أن يندفعوا معتزمين الدفاع عن أموالهم ، وإنقاذها ، فكانت قريش ما بين رجلين ، رجل اعتزم أن يخرج بنفسه ، وآخر ينيب عنه من يدافع عن ماله ، ومال قريش كلهم ، وبينما هم قد تجهزوا وأعدوا العدة بلغهم أن العير قد نجا بها أبو سفيان إذ غير الطريق كما أشرنا ، فأرسل إلى قريش يبشرهم بنجاة العير ، إذ قال لهم « إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ، ورجالكم وأموالكم فقد نجاها اللّه ، فارجعوا » .

--> ( 1 ) اللطيمة : الإبل التي تحمل الحرير والطيب وغيرهما